تابعونا الان على :

صحتك بالدنيا صحتك بالدنيا  صحتك بالدنيا  صحتك بالدنيا  صحتك بالدنيا
الدكتورة رهام ناصرالدين

  ما الذي يسبب أمراض القلب؟

  تاريخ النشر:June 16, 2015

صحتك بالدنيا

 

باتت مشكلة أمراض القلب والشرايين السبب الأول للوفاة في كثير من البلدان العربية، وما زالت أصابع الاتهام توجه للدهون والكوليسترول في أي مقال تقرؤه في الصحف، وبالرغم من أني أتفق أن نوعية الدهون التي يستهلكها أغلبية الناس هذه الأيام ليست صحية وتساهم في أمراض القلب ولكني لا أتفق أبدا أن الدهون المشبعة والكوليسترول من المصادر الصحيحة هي سبب لأمراض القلب!

بالرغم من التأييد الكبير لهذه الاعتقادات في الوسط الطبي والعالم كذلك إلا أننا لا نجد تأييدا لها في البحث العلمي. حيث فشلت الدراسات الحديثة في إثبات علاقة بين استهلاك الدهون المشبعة وأمراض القلب. بينما أظهرت دراسات أخرى أن زيادة استهلاك الدهون المشبعة له تأثير إيجابي ويقلل من خطر أمراض القلب والوفاة!

الدراسة في الرسم البياني التالي تبين العلاقة بين مستوى الكوليسترول ومعدل الوفيات في عدد من البلدان. هنا الكوليسترول بالميليمول/ليتر. ف 4.5 في أسفل البيان تساوي 174 ملجم/ديسيلتر و6.5 في الأعلى تساوي 250 ملجم/ديسيلتر. هل تلاحظ أن هناك علاقة عكسية بين معدل الكوليسترول ومعدلات الوفاة فتقل الوفيات رغم ارتفاع الكوليسترول.

 

 

 

ومع أن الملاحظ أن الناس قد خفضوا استهلاكهم من الدهون المشبعة بناء على التوصيات الطبية، ما زالت نسبة أمراض القلب في ارتفاع مستمر اليوم، فأين تكمن المشكلة؟

هناك عدة فرضيات جديدة لمحاولة تفسير أسباب أمراض القلب، يلاحظ أن معظمها له علاقة بنظامنا الغذائي "إما ما نأكله ويسبب لنا الضرر أو ما لا نأكله برغم حاجة الجسم الماسة له" أكثر من علاقته بالجينات الوراثية أو مستويات الكوليسترول.

فمثلا، لو أخذنا السكر:

كانت هناك دراسة في الأربعينات والخمسينات تبين منها أن استهلاك السكر يؤدي إلى حالة من الإلتهاب العام "inflammation" في الجسم كله بما فيها جدران الشرايين، وهذا الإلتهاب عامل خطر حقيقي يزيد من خطر أمراض القلب وأمراض أخرى كثيرة. وقد بينت الأبحاث الحديثة أن شراب الذرة الفركتوزي أكثر ضررا من السكر وينتشر استعماله بشكل واسع في المنتجات المصنعة خصوصا في المشروبات الغازية والمحلاة. من الجدير بالذكر أن الزيادة في أمراض القلب والسمنة والسكري وغيرها كانت متوازية مع زيادة الإستهلاك في هذه السكريات.

هناك فحص يأتي في نتيجة فحص الكوليسترول إضافة إلى فحص "LDL" و"HDL" وهو فحص الدهون الثلاثية "Triglycerides". قلنا سابقا بأن الدهون لا تحب الماء وبالتالي حتى تستطيع التنقل في الدم -وهو وسط مائي-فإنها ترتبط في حالة الدهون الثلاثية بالجليسرول وهو نوع من السكريات "التي هي محبة للماء" حتى تتحرك في الدم بسهولة وتصل إلى مختلف الخلايا. الآن، من المهم أن نفهم أن الدهون الثلاثية لا تحمل الكوليسترول بل تحمل أنواع أخرى من الدهون. ارتفاع نسبة الدهون الثلاثية مرتبط بشكل أساسي بالإسراف في استهلاك الكربوهيدرات "قلنا أنها ترتبط بالسكريات". وبالتالي إذا كانت نسبة الدهون الثلاثية مرتفعة عندك فهذا يعكس وجود مشاكل أخرى في الجسم منها مقاومة الجسم لفعل الإنسولين "insulin resistance" وبالتالي خطر الإصابة بالسكري والإلتهاب في الجسم "inflammation" والتي هي من عوامل الخطر بالنسبة لأمراض القلب. وعادة ما نرى ارتفاع الدهون الثلاثية مصحوبة بانخفاض في "HDL". وهنا مرة أخرى نرى التأثير السيء للغذاء الذي يعتمد على كثير من الكربوهيدرات.

أيضا، هناك من الدراسات من ربطت بين نقص بعض العناصر الغذائية مثل فيتامينات 6B و12B وأيضا نقص فيتامين C بالتسبب بهشاشة في جدر الشرايين وبالتالي زيادة خطر أمراض القلب.

سوف تستغرب إن قلت لك هذا...

حاول أن تخمن مع من وجدت العلاقة الأكبر مع أمراض القلب؟ مع الزيوت النباتية "الصحية والصديقة للقلب" كما يدعون!!! مثل زيت الذرة، الصويا، الكانولا، عباد الشمس، ..." ولا زالت الأدلة تتراكم لتثبت خطر هذه الزيوت على الصحة. فهذه الزيوت النباتية عالية التصنيع فيها نسبة مرتفعة من أوميغا-6"وهي بالمناسبة نوع من الأحماض الدهنية غير المشبعة". الأوميغا-6 لها استعمال في الجسم بالتأكيد ولكن بكمية قليلة ويجب أن تظل متوازنة مع نسبة الأوميغا-3، فإذا اختلت النسبة وزادت نسبة الأوميغا-6 عن الأوميغا-3، وهذا هو الحاصل الآن عند معظم الناس، فهذا يتسبب بمشاكل كثيرة وحالة من الالتهاب في الجسم تزيد استعداده للإصابة بالكثير من الأمراض.

وإذا نظرنا إلى المئة سنة الأخيرة، وهي السنوات التي بدأنا نرى فيها زيادة مضطردة في السمنة والسكري وأمراض القلب نجد أنه بالإضافة لزيادة استهلاك السكريات البسيطة والمصنعة، تم استبدال الدهون الحيوانية مثل الزبدة والسمنة بهذه الزيوت النباتية والمارجرين. وقد لاحظ باحثون منذ الخمسينات علاقة بين استهلاك الأحماض الدهنية المتحولة في الزيوت المهدرجة مثل المارجرين بأمراض القلب، وأكدت الأبحاث الحديثة لباحثين مهمين من أمثال منسك وكاتان" Mensik and Katan" في هولندا ووولتر ويليت "Walter Willet" في جامعة هارفارد في أمريكا هذا الكلام.

نلاحظ في الرسوم أدناه زيادة استهلاك الزيوت النباتية مثل الكانولا وزيت الذرة وزيت الصويا في الولايات المتحدة خلال المئة عام الأخيرة على حساب زيت الزيتون والزبدة، وهذه الزيادة مترافقة تماما مع الزيادة في أمراض القلب!

مشاكل الزيوت النباتية المصنعة:

زيادة أوميغا-6 عن الأوميغا-3 هي أحد العوامل التي تجعل هذه الزيوت مضرة بالصحة، ولكن هذه الزيوت عند إعدادها تتعرض للأكسدة، وبالتالي فإنها تحتوي على الكثير من الجذور الحرة التي تهاجم خلايا الجسم ومنها خلايا جدر الشرايين وتتسبب في إضعافها واهتراءها وتجعلها عرضة لتكون بؤر مستعدة للتكلس وبناء الترسبات "هكذا تكون بداية الجلطة". الحقيقة أن الجسم في هذه الحالة يستخدم الكوليسترول ليحاول ترميم الضرر الذي حدث لجدران الشرايين، فالكوليسترول لا يسبب الجلطة ولكنه يأتي محاولا الإنقاذ وترميم التلف، وبسبب وجوده في مكان الجلطة اعتقدوا أنه هو السبب الرئيسي فيها " هل تتخيل نفسك مدعيا على سيارة إطفاء الحريق أنها هي السبب في الحريق بسبب وجودها في المكان أثناء الحريق؟؟ إنها تحاول الإنقاذ وإطفاء الحريق تماما مثلما يحاول الكوليسترول ترميم التلف الحاصل في جدر الشرايين".

مثل السكر والطحين، تعتبر هذه الزيوت المصنعة بالحرارة العالية، جديدة تماما على النظام الغذائي الإنساني الموجود منذ آلاف السنين والذي تغير جذريا خلال القرن الأخير. أليس من العجيب أن تكون الأحماض الغير المشبعة من نوع أوميغا-6 "والتي تسوق إلينا على أنها صديقة للقلب" هي التي تشكل المكون الدهني الرئيسي لترسبات الشرايين التي تتطور لتكون جلطة، وليست الدهون المشبعة التي يتم مهاجمتها في كل مناسبة هي المكون لهذه الترسبات!!! ألم يتم خداعنا من أكبر المؤسسات الصحية في العالم وعلى رأسها جمعية القلب الأمريكية وغيرها والتي ما زالت تروج لهذه الزيوت القاتلة التي تعد تجارة رائجة تقدر دون مبالغة بالمليارات من الدولارات سنويا. هذه الزيوت بدأ إنتاجها في أوائل القرن العشرين "وفي سنة1911" بالتحديد، أين كانت هذه الزيوت قبل ذلك؟ لم تكن موجودة ولم يستعملها بشر!

الكوليسترول ممكن أن يكون ضارا عندما يتأكسد أثناء عمليات التصنيع!

ولكن يجب الإشارة إلى أمر مهم هنا وهو أن الكوليسترول يمكن أن يسبب مشاكل إذا كان مؤكسدا بالحرارة العالية "تماما كالذي يحدث للزيت عند تزنخه"، وهذا الذي يحصل في عمليات تحضير الحليب والبيض على شكل مسحوق عن طريق رشه كرذاذ في الهواء في درجة حرارة عالية ليتحول إلى مسحوق يستخدم في إعداد الأطعمة المحضرة. هذا الكوليسترول بالتأكيد يعتبر ضارا ويسبب تهيجا في جدر الشرايين بل ويشارك في الترسبات التي تسبب الجلطة. وفي دراسة حديثة وجد أن استهلاك الكثير من أوميغا-6، والتي قلنا إنها توجد بكثرة في الزيوت النباتية المصنعة تزيد من نسبة وجود الكوليسترول المؤكسد والضار في الترسبات على جدران الشرايين.

والدهون المتحولة خطر آخر:

وهناك أيضا الدهون المتحولة "trans fat" التي توجد أيضا في كثير من الأطعمة المحضرة. هذه الدهون، بشكل مختصر، يتم إعدادها بإضافة ذرات الهيدروجين إلى الزيوت النباتية السائلة "عملية الهدرجة" ليتم إشباع بعض الروابط الغير مشبعة فيها وتحويلها إلى أن تكون صلبة "ولكن سهلة الدهن" في درجات الحرارة العادية وأطول عمرا على الرف أثناء البيع. المشكلة أن الجسم لا يعرف كيف يتعامل مع هذه الدهون الغريبة تماما والتي لا يوجد مثلها في الطبيعة وتسبب له مشاكل كثيرة في عملية الأيض. فهي تتسبب في مراكمة دهون أكبر وتغيير في أماكن تخزين الدهون وتركيزها في البطن "الدهون المتراكمة في البطن ترتبط بأمراض القلب"، وأيضا فهي تشارك في التهاب الجسم وعملية تصلب الشرايين.

أين توجد الدهون المتحولة؟ في كل الأطعمة الرديئة التي تملأ رفوف المحلات: المارجرين وكريما التزيين، والشيبس والرقائق، البسكويت بأنواعه، الكعك والدونات والكيك والمافين، فشار المايكرويف، مبيضات القهوة، والأطعمة السريع مثل البطاطس المقلية والدجاج المقلي وغيرها. آمل ألا تكون هذه أخبارا غير سارة بالنسبة لكم؟!

أيضا، نلاحظ الزيادة الكبيرة في استهلاك الحبوب، خصوصا القمح، خلال الفترة التي شهدنا فيها زيادة أمراض القلب:

ولعلك تتساءل بأن الحبوب موجودة منذ آلاف السنين فلماذا تشكل مشكلة الآن؟ بشكل مختصر هنا أقول بأن أنواع الحبوب الحالية تختلف كثيرا عن التي كانت موجودة قبل مئة أو مئتي عام مثلا: طريقة الزراعة، والأراضي الي تزرع بها وطريقة معالجة الحبوب بعد الحصاد " ففي القديم كانوا ينقعون الحبوب لفترة كافية أو يخمروها أو يعاملوها بطرق أخرى حتى تصبح سهلة على الهضم وتتخلص من مضادات الأغذية التي تحتوي عليها" بالإضافة إلى اختراع الطاحونة التي تفتت الحبوب إلى جزيئات صغيرة جدا "طحين" وطرق التصنيع بما فيها صناعة حبوب الإفطار"cereals" كلها عوامل جديدة وغريبة على إنسان اليوم، والأبحاث الجديدة تكشف لنا كل يوم عن الآثار السيئة المرتبطة بالحبوب مثل تهييج وإتلاف الأمعاء وزيادة مقاومة الجسم للإنسولين وبالتالي خطر السكري فالحبوب تنتهي في الجسم على شكل سكر "جلوكوز" وأيضا ترتبط بزيادة الإلتهاب في الجسم. والبيان في الأسفل أيضا يوضح زيادة استهلاك القمح التي تتوازن مع زيادة أمراض القلب.